ابن قيم الجوزية

105

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

جزاء على ما هو منه ، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به ، فاللّه سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب ، فهو المنعم بالسّبب والجزاء ، والكل محض منّته وفضله وجوده ، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير ، وعلى التقديرين ، فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه ، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه ، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه ، على الحقيقة ، بالنعم وأسبابها ، فأسبابها من نعمه على العبد ، وإن حصلت بكسبه ، فكسبه من نعمه . فكل نعمة فمن اللّه وحده حتى الشكر ، فإنه نعمة وهي منه سبحانه ، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته ، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود : يا رب كيف أشكرك ، وشكري لك نعمة من نعمك عليّ ، تستوجب شكرا آخر ؟ ! فقال : الآن شكرتني يا داود . ذكره الإمام أحمد ، وذكر أيضا عن الحسن قال : قال داود : إلهي ! لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله ، لما أدّوا ما لك عليّ من حق نعمة واحدة . والمقصود أنّ حال الشاكر ضد حال القائل : إنما أوتيته على علم عندي . ونظير ذلك قوله لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ( 49 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي ( 50 ) [ فصلت ] . قال ابن عباس يريد : من عندي . وقال مقاتل : يعني أنا أحق بهذا . وقال مجاهد : هذا بعملي ، وأنا محقوق به . وقال الزجاج : هذا واجب بعملي ، استحقيته . فوصف الإنسان بأقبح صفتين ، إن مسه الشر صار إلى حال القانط ، ووجم وجوم الآيس ، فإذا مسّه الخير نسي أنّ اللّه هو المنعم عليه المفضل بما أعطاه ، فبطر وظن أنه هو المستحق لذلك ، ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال : وما أظن الساعة قائمة . ثم أضاف إلى ذلك ظنه